محمد حسين هيكل

95

حياة محمد ( ص )

يَعْلَمْ ) « 1 » فقرأها وانصرف الملك عنه وقد نقشت في قلبه « 2 » . ولكنه ما لبث أن استيقظ فزعا يسأل نفسه : أيّ شيء رأى ؟ أتراه أصابه ما كان يخشى من جنّة ؟ وتلفّت يمنة ويسرة فلم ير شيئا . ومكث برهة أصابته فيها رعدة الخوف وتولاه أشدّ الوجل ، وخاف ما قد يكون بالغار ، ففر منه وكله حيرة لا يستطيع تفسير ما رأى . وانطلق هائما في شعاب الجبل يسائل نفسه عمّن دفعه ليقرأ . لقد كان إلى يومئذ يرى وهو في تحنثه الرؤيا الصادقة تنبلج من خلال تأمله فتملأ صدره فتضيء أمامه وتدله على الحق أين هو ، وتنير له حجب الظلمات التي زجّت قريشا في وثنيتهم إلى عبادة أصنامهم . وهذا النور الذي أضاء أمامه وهذا الحق الذي هداه سبيله هو الواحد الأحد . فمن هذا المذكّر به ، وبأنه الذي خلق الإنسان ، وبأنه الأكرم الذي علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم ؟ وتوسّط الجبل وهو في هذه الحال من فزع وخشية ومساءلة ، فسمع صوتا يناديه ، فأخذه الرّوع ورفع رأسه إلى السماء ، فإذا الملك في صورة رجل هو المنادي . وزاد به الفزع ووقفه الرعب مكانه ، وجعل يصرف وجهه عما يرى ، فإذا هو يراه في آفاق السماء جميعا ويتقدم ويتأخّر فلا تنصرف صورة الملك الجميل من أمامه . وأقام على ذلك زمنا كانت خديجة قد بعثت أثناءه من يلتمسه في الغار فلا يجده . فلما انصرفت صورة الملك رجع محمد ممتلئا بما أوحي إليه ، وفؤاده يجف وقلبه يضطرب خوفا وهلعا . ودخل على خديجة وهو يقول زملوني ، فزمّلته وهو يرتعد كأن به الحمّى . فلما ذهب عنه الرّوع نظر إلى زوجه نظرة المستنجد ، وقال : يا خديجة ! مالي ! ؟ وحدّثها بالذي رأى ، وأفضى إليها بمخاوفه أن تخدعه بصيرته أو أن يكون كاهنا . وكانت خديجة ، كما كانت أيام تحنثه في الغار ومخاوفه أن تكون به جنّة ، ملك الرحمة وملاذ السلام لهذا القلب الكبير الخائف الوجل . لم تبد له أي خوف أو ريبة ، بل رنت إليه بنظرة الإكبار وقالت : أبشر يا بن عمّ وأثبت . فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة . واللّه لا يخزيك اللّه أبدا . إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث وتحمل الكلّ ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق » . واطمأن روع محمد وألقى على خديجة نظرة شكر ومودة ثم أحسّ جسمه متعبا في حاجة إلى النوم فنام . نام ليستيقظ من بعد لحياة روحية قوية غاية القوة ؛ حياة تأخذ بالأبصار والألباب ، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه اللّه والحق والإنسانية . تلك رسالة ربه يبلغها ويدعو الناس إليها بالتي هي أحسن ، حتى يتمّ اللّه نوره ولو كره الكافرون .

--> ( 1 ) سورة العلق الآيات من 1 إلى 5 . ( 2 ) كذلك روت كتب السيرة الأولى ، وعليه ابن إسحاق . وكذلك روى كثير من المحدثين . على أن بعضهم يرى أن بدء الوحي كان في اليقظة وكان نهارا ، ويذكر حديثا على لسان جبريل طمأن به محمدا حين رأى روعه . وذكر ابن كثير في تاريخه ما أورده الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه ( دلائل النبوة ) عن علقمة بن قيس أنه قال : « إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد » : وأضاف » : « وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه ، وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيد ما بعده » .